السيد محمد باقر الصدر
124
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
من رؤية جسم واحد يتحرّك بدفع آخر أن نستدلّ على أنّ كلّ جسم يتحرّك من دفع مماثل ، وذلك لأنّنا يلزمنا أن نلاحظ تكرار الاقتران بين هذين الموضوعين ، لكي نتهيّأ بالعادة إلى الاستدلال من أحدهما على الآخر . ولو لم تكن هذه العادة والنزعة هي الأساس لفكرتنا عن العلّة والمعلول ، وكانت فكرتنا عن العلّة والمعلول تعكس الواقع الموضوعي لا انطباعنا النفسي الذاتي فحسب ، لكفى مثال واحد في الاستدلال ؛ لأنّه لا يختلف في وجه من وجوهه عن كلّ الأمثلة الأخرى التي يمكن أن نضيفها إليه . وعلى هذا فجميع الاستدلالات على علاقة العلّة والمعلول هي - إذن - آثار للعادة ، لا للبرهان العقلي ، وبالتالي يتّضح أنّ كلّ الاستدلالات الاستقرائيّة المختصّة بالواقع ، تقوم على أساس ذاتي لا موضوعي ؛ لأنّها جميعها ترتكز على علاقة العلّة والمعلول كما تقدّم سابقاً . وإذا كان ( دافيد هيوم ) قد استطاع أن يفسّر لنا الدليل الاستقرائي والطفرة التي يستبطنها من الخاصّ إلى العامّ تفسيراً ذاتيّاً لا موضوعيّاً يقوم على أساس العادة والنزعة النفسيّة ، بدلًا عن أن يقوم على أساس قوانين الواقع الموضوعي ، فلا يعني هذا أنّ دافيد يشكّ في نتائج الدليل الاستقرائي ، ولا يعتقد بالقضايا التي نستدلّ عليها بالتجربة والاستقراء ، بل إنّه يؤكّد في نفس الوقت الاعتقاد بتلك القضايا ، ولكي يتّضح موقفه من ذلك يجب أن نعرف : ماذا يقصد هيوم بالاعتقاد ؟ إنّ الاعتقاد يتمثّل في فكرة تتمتّع بدرجة كبيرة من الحيويّة والقوّة ، وقد عرفنا سابقاً أنّ ( هيوم ) قسّم الإدراك إلى انطباعات وأفكار ، وميّز الانطباعات بما تتمتّع به من حيويّة وقوّة ، خلافاً للأفكار التي لا تملك تلك الخصائص . وهنا يجب أن نعرف أنّ هذه الأفكار قد تكتسب - بطريقةٍ مّا - شيئاً من الحيويّة والقوّة